يحيى بن زياد الفراء

11

معاني القرآن

ولامكان « هذا » « ذلِكَ » وقد قال اللّه جل وعزّ : « وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ » إلى قوله : « وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ » ثم قال : « هذا ذِكْرُ » * « 1 » . وقال جلّ وعزّ في موضع آخر : « وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ » ثم قال : « هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ » « 2 » . وقال جلّ ذكره : « وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ » ثم قال : « ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ » « 3 » . ولو قيل في مثله من الكلام في موضع « ذلِكَ » : هذا » أو في موضع « هذا » : « ذلِكَ » لكان صوابا . وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود « هذا فذوقوه » وفي قراءتنا « ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ » « 4 » . فأما ما لا يجوز فيه « هذا » في موضع « ذلِكَ » ولا « ذلِكَ » في موضع « هذا » فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف : من هذا الذي معك ؟ ولا يجوز هاهنا : من ذلك ؟ لأنك تراه بعينه . وأما قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) فإنه رفع من وجهين ونصب من وجهين ؛ إذا أردت ب « الْكِتابُ » أن يكون نعتا ل « ذلِكَ » كان الهدى في موضع رفع لأنه خبر ل « ذلِكَ » ؛ كأنك قلت : ذلك هدى لا شكّ فيه « 5 » . وإن جعلت لا رَيْبَ فِيهِ خبره رفعت أيضا ( هُدىً ) تجعله تابعا لموضع « لا رَيْبَ فِيهِ » ؛ كما قال اللّه عزّ وجلّ : « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ » * « 6 » كأنه قال : وهذا كتاب ، وهذا مبارك ، وهذا من صفته كذا وكذا . وفيه وجه ثالث من الرفع : إن شئت رفعته على الاستئناف لتمام ما قبله ، كما قرأت القرّاء « ألم . تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ . هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ » « 7 » بالرفع

--> ( 1 ) الآيات 45 - 49 سورة ص . ( 2 ) آية 52 ، 53 سورة ص . ( 3 ) آية 19 سورة ق . ( 4 ) آية 14 سورة الأنفال . ( 5 ) وجملة « لا ريب فيه » على هذا اعتراض أو حال . ( 6 ) آية 92 و 155 سورة الأنعام . ( 7 ) آية 1 - 3 سورة لقمان .